21.11.10

زمن ((أبو حبيب )) المسيحى . بقلم الأستاذ عاشور معوض _روزاليوسف

زمن «أبوحبيب» المسيحى أكتب إلى «روزاليوسف» لثقتى التامة وقناعتى الشخصية باعتدالها ونزاهتها والتزامها كل مبادئ الأمانة والوطنية واحترامها «أمانة» الكلمة التى تحولت - عند أكثر الصحفيين - إلى «تجارة» وساهمت هذه الصحف فى إشعال نار الفتنة بغرض زيادة نسبة التوزيع !! سوف أكتب - بقلمى المتواضع - حروف الصدق دون زخرفة القول وأنقل واقعاً أفخر بأنى عايشته. فكل من يقول: وحدتنا الوطنية بخير هو كاذب!!..فأين هى الوحدة - أصلاً - حتى نحكم عليها؟ هى مقارنة بين علاقتنا فى الزمن الجميل وعلاقتنا اليوم. فى أوائل السبعينيات كنت طفلاً بالابتدائى وكان المرحوم والدى إماماً للمسجد الجامع بقريتى «الغرق السلطانى» التى هى اليوم أكبر قرية فيومية (185 ألف نسمة) تتصل حدودها بالأراضى الليبية (جنوب غرب مصر).. وكنت شديد التعلق بالمرحوم والدى فما إن ينهى خطبة الجمعة والصلاة بالمسلمين حتى يأخذنى من يدى فأعرف مقصده وأرقص فرحاً لأننا (سنأكل طبيخ عم أبوحبيب) وهو ترزى مسيحى ومعه ابناه «مكرم وحبيب» فما أن يدخل والدى منزلهم حتى - قسماً بالله العظيم - يتسابق الجميع للفوز بالسلام عليه وتقبيل يده: النسوة، الرجال، الأطفال! وهو نفس استقبالهم وتعظيمهم لقس المركز!! كلاهما بحب وإخلاص وتبجيل صادق.. فما إن نجلس حتى يحضر ثمانية مشايخ ويقدم عمى أبو حبيب «الطبلية» ويتسابقون فى وضع الصحون عليها التى فيها ما لذ وطاب من أصناف الدجاج واللحوم قائلاً لهم: «بالهنا والشفا يا مفاجيع!! والله إنتوا هاتخلونى أطلع من دين النصارى» وتعلو صوت الضحكة الحلوة الرنانة النابعة من القلوب البيضاء الطاهرة التى تعرف صدقاً «حلاوة الإيمان». بعد الغداء الشاى أبونعناع وجلسات السمر بين النكتة، والفزورة، والحدوتة ،نصلى فى «دكانة أبو حبيب» وتستمر القعدة الحلوة حتى منتصف الليل فأعود أنا ووالدى إلى دارنا فما أن يدق باب الدار حتى تقول أمى «أطال الله عمرها» له ضاحكة بدلال: روح نام عند النصارى!! وكان لنا أحد الجيران يدعى عمى «فايق» مسيحى واستمر حتى موته يعد وليمة كبيرة لأهالى القرية لمدة ثلاثة أيام ويدعو المرحوم الشيخ عبدالعليم البكرى - شيخ الطريقة الصوفية - وتعقد حلقات الذكر والتسابيح والتواشيح كل يوم حتى الفجر ولما أنجب ولداً أسماه «عبدالعليم» حباً وتبركاً بالشيخ الصوفى وابنه حى يرزق حتى اليوم! مرض والدى ومكث بالمستشفى العام بمدينة الفيوم عدة أسابيع وزرته ذات يوم وكان لديه أحد أصدقائه المسيحيين الذى لمس تعب والدى هذه الليلة.. وأقسم بالله العظيم أنه وضع رأسه على حجره وظل لطلوع الفجر يقرأ له آيات القرآن والإنجيل حتى فاضت روحه الطاهرة!! واستمر أصدقاء المرحوم والدى يزوروننا بعد وفاته حتى توفاهم الله ولمدة تسع سنوات وجميع ملابسنا على حسابهم - من شراء أغلى الأقمشة وتفصيلها - تقديراً لنا لأننا أولاد حبيبهم الغالى. وأقسم بالله كلما ذهبت لزيارة قبره أجد عمى حبيب وعمى مكرم وقد أمسك كل منهما بالمصحف ويقرأ القرآن الكريم على قبر المرحوم والدى!! هكذا كان الحب الخالص النابع من القلب والذى لا هدف له إلا الحب فى قدرته وعظمته وفلسفته. هكذا زرع المرحوم والدى والمرحوم عمى أبوحبيب وأولاده حب «الدين» فى قلبى وحب الإخوة الأقباط داخل كيانى. دارت الأيام.. وتحجرت فى قلوبنا جميع المشاعر وأصبحنا نعامل الإخوة الأقباط - لبالغ الأسف - على أنهم «أعداؤنا الكفرة»!! وقامت شياطين الجماعات المتطرفة التى تتبرأ منها كل الأديان فى بث سمومها فى إحداث كل صور التفرقة بيننا! ومع أن رجال الأمن قد أبادوهم إلا أن أفكارهم مازالت عالقة إلى اليوم فى النفوس. ومن النادر أن تجد العاطفة الصادقة «اليوم» بين طرفى الأمة.. وكثرت جراحنا وقسونا عليهم. جلس ناظر المدرسة الابتدائية - بنفس قريتى - يتباهى بأن مدرسته هى المدرسة الابتدائية الوحيدة فى القرية التى لا يوجد بها «تلميذ مسيحى واحد»!!! وأنه بنفسه «طفشهم»!! وإذا بأصوات الإعجاب والإشادة به تتعالى حتى إن أحدهم قال له: والله لك الجنة يا حضرة الناظر!! وكأنه حرر فلسطين!!! فذهبت إلى سعادة مدير الإدارة وشكوت له ما حدث وما سمعته.. فإذا به يقول: يا أستاذ وانت زعلان ليه؟! هو بينى وبينك عنده حق!!! يوم حادث مقتل المسيحيين على باب كنيسة بالصعيد.. كنت أقرأ الجريدة فى السيارة.. فسألنى إمام مسجد: كام واحد مسيحى مات؟ فقلت له ثمانية، فقال متشفياً: يا ريت كان دبحهم كلهم!!! كنت فى مكتب البريد وكانت تقف بجوارى سيدة منقبة تصرف معاش زوجها وكلما قدم لها الموظف عشرة جنيهات أسمعها تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله - بصوت خافت - فلما خرجت سألتها عما كانت تقوله ولماذا؟ فقالت بالحرف الواحد: أصل الصراف الملعون مسيحى!!! فماذا بعد ذلك؟!! وأكبر خطأ وقعت فيه وزارة الأوقاف ومعها وزارة الداخلية أنها جعلت كل من هب ودب يعتلى المنبر - منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم - وربما يكون من حملة الإعدادية!! وضعف مستوى خريجى الأزهر الذى قال أحدهم على المنبر: لا تتعامل مع المسيحى فى البيع والشراء وإن بادرك بالسلام فلا ترد عليه لأنه يقول لك «السام عليكم» يعنى الموت عليكم!!. الإخوة الأفاضل: بالله عليكم: هل هذه وحدة وطنية؟! وإلى متى سنظل نضحك على أنفسنا ونكتفى بإفطار الوحدة الوطنية فى رمضان والبابا يضاحك شيخ الأزهر. إلى كل أب.. إلى كل أم.. إلى كل معلم.. إلى كل معلمة.. إلى كل شيخ.. إلى كل قس.. إلى أصحاب الأقلام.. اتقوا الله فينا.. واحذروا.. وحدتنا الوطنية تنهار وليتنا نعود إلى الزمن الجميل.. زمن المرحوم والدى وعمى أبو حبيب!

هناك تعليق واحد:

  1. دكتور / ياسر ضوة22 نوفمبر 2010 في 12:37 ص

    دكتور وجيه انا نفسى احكى حكاياتك لكل مصر

    ردحذف