15.1.10

لماذا تخصص المختلون عقليا والمسجلون خطر فى قتل الأقباط فقط ! بقلم الأستاذ عبد الرحيم على

بقلم: عبد الرحيم علي طوال أكثر من ثلث قرن وبالتحديد منذ أن أسند الرئيس الراحل أنور السادات ملف الفتنة الطائفية لأجهزة الأمن المصرية -بعد أحداث كنيسة الخانكة في نوفمبر من عام 1972- محملاً إياهم ما لا يستطيعون تحمله بفعل طبيعة عملهم، سقط على أرض مصر عشرات القتلى من الأقباط في حوادث اعتداء بشعة تعرضوا لها داخل دور عبادتهم وفي الطرقات المؤدية إلى منازلهم وفي أحضان زراعاتهم، بل إن البعض أجبر علي التهجير من دياره إبان تأجج الأعمال الإرهابية في المنيا بين عامي 1995 و1997، والمفارقة الواضحة أن عدد قليل من المسئولين عن هذه الاعتداءات الآثمة هم الذين تم تقديمهم إلي المحاكم المصرية، بينما راحت دماء ضحايا أغلب هذه الأحداث هدرًا بسبب إجراءات الصلح التي دأبت أجهزة الدولة التنفيذية والأمنية والشعبية على القيام بها قبل تقديم المسئولين عن تلك الأحداث الى المحاكمة. تلك الإجراءات غيبت وطوال ثلث قرن دولة القانون، الأمر الذي ساهم في سيادة مجموعة من الأعراف، التي أدت وسوف تؤدي إلى مزيد من الفوضى يومًا بعد يوم.

وقد جاء حادث نجع حمادي الأخير لينكأ الجراح من جديد، البعض يشكك في شخصية الجناة المقبوض عليهم من قبل أجهزة الأمن، والبعض راح يشير إلى فاعل أصلي ومحرض حقيقي على الأحداث، والطرفان لديهم كل الحق. فمنذ أكثر من عام حدث اعتداء الزيتون الذي راح ضحيته أربعة من الأقباط، وأسرعت أجهزة الأمن لتعلن أن الحادث جنائي وراءه ثأر من نوع ما، ولكن سرعان ما تبين أن وراء الحادث مجموعة من المتشددين الإسلاميين، أطلقت عليهم أجهزة الأمن فيما بعد مسمى تنظيم الولاء والبراء. بالطبع ليس هذا إشارة، لا من قريب أو من بعيد، تقول بأن حادث نجع حمادي إرهابي –لا سمح الله- ولكن إليس من المبكر الحديث عنه باعتباره حادث إجرامي قبل التحقيق الشامل ومعرفة الملابسات الكاملة، والمحرضين والممولين الذين يقفون وراء الحادث خاصة أن توقيته يثير الكثير من علامات الإستفهام. إن هذا التقرير يشرح بالوقائع كيف تعاملت حكومتنا الرشيدة مع الاعتداءات علي الأقباط طوال هذه السنوات الطويلة، إنه صرخة لكل ذوي الضمائر في مصرنا المحروسة -نعم مصر وليس سواها فالقضية تخصنا وحدنا- أن يهبوا لإنهاء هذه المظالم ووضع حد لفوضى التعامل الحكومي مع ظاهرة من أخطر الظواهر في المجتمع.

الخانكة وتسليم الملف لأجهزة الأمن بدأت مأساة الأقباط الحقيقية -من وجهة نظري- مع بداية حكم الرئيس الراحل أنور السادات، الذي بدأه بالتصالح الشهير مع جماعة الإخوان المسلمين والقطيعة الكبري مع رجال ورموز الحقبة الناصرية، تمهيدًا لانقلابه الكبير علي كل موروثات حقبة سلفه الرئيس جمال عبدالناصر. وكانت حادثة كنيسة الخانكة بداية تحويل ملف الأقباط والفتنة الطائفية برمته إلي أجهزة الأمن، فبعد تشكيل لجنة تقصي الحقائق برئاسة جمال العطيفي، وبعد أن وضعت اللجنة تقريرا أشارت فيه لأسباب الاضطراب في العلاقات بين المسلمين والمسيحيين ووضعت برنامجًا ناجعًا لعلاج تلك المشكلات -التي ما زالت بالمناسبة قائمة إلى يومنا هذا- وبعد أن أثنى مجلس الشعب علي ذلك التقرير.. تم إيداعه أدراج المجلس وتم تسليم الملف برمته لأجهزة الأمن.

الزاوية الحمراء أول نموذج لتعامل الدولة مع المشكلة: كانت أحداث الزاوية الحمراء أول نموذج لتعامل جهاز مباحث أمن الدولة مع تلك المشكلة، وهو يذكرنا بالضبط بما حدث من تعامل مع مشكلة الإسكندرية، فإذا كنا في الحادثة الأخيرة نحتاج لأن نكون متخلفين عقليًا حتى نصدق رواية وزارة الداخلية، فإن الأمر كان أشد غرابة في الحادثة الأولى، فقد وقف الرئيس السادات يشرح ما كتبه له إبانها وزير داخليته النبوي إسماعيل مشددًا على أن المسألة لا تعدو خناقة بين أسرة مسلمة وأسرة مسيحية حول قطرات من الماء العفن سقطت من شرفة إحداهن على غسيل الأخرى، كان الأمر أكثر غرابة من حالة مجنون الإسكندرية، والأغرب أن يروي تلك القصة الرئيس شخصيًا.

كان الأمر بالطبع أبعد من هذا بكثير، والمفارقة أن أحداث الزاوية الحمراء كانت بروفة نهائية لاستعراض القوة قامت بها جماعات العنف الديني في مصر قبيل اغتيال السادات، ففي محاولة لتحدي أجهزة الأمن واختبار القوة، جاءت إلي القاهرة مجموعة كبيرة من قادة الجماعة الإسلامية في الصعيد لإشعال تلك الأحداث تحت دعوى منع إقامة كنيسة على قطعة أرض فضاء بالحي، ووصل بهم التحدي إلى طلب تغيير ضابط مباحث مسيحي كان يعمل بالمصادفة رئيسًا لمباحث الشرابية وتمت الاستجابة لطلبهم علي الفور ونقل الضابط المسيحي، ولكنهم على الرغم من ذلك أشعلوا الأحداث التي راح ضحيتها سبعة عشر مواطنًا بينهم مواطن مسلم، بالإضافة إلى حرق ونهب ممتلكات عديدة للأقباط ولبعض المسلمين على السواء. وكما تفعل أجهزة الأمن في كل حادث، واستمرارًا لسياسة البعد عن وجع الدماغ، قامت بالقبض علي بعض البلطجية المسجلين خطر وقدمتهم على أنهم أبطال الأحداث وتم إغلاق الملف. كان هذا الاستعراض للقوة من قبل جماعة كرم زهدي الجديدة هو الأخير قبل العرض العسكري في السادس من أكتوبر 81 والذي تم فيه اغتيال السادات، والمفارقة هنا أنه لو تم اكتشاف تلك المجموعة وعرض الأمر بصورته الصحيحة علي الرئيس في حينه لتم تجنب وإحباط محاولة اغتياله في العرض العسكري في أكتوبر عام 1981. نجع حمادي.. كلاكيت أول مرة: وعلى نفس المنوال نسجت أجهزة الأمن في كل الحوادث التي تعرض لها الأقباط، ففي السادس عشر من يونيو عام 1981 توجه أربعة ملثمين يقودهم علي الشريف "عضو مجلس شوري الجماعة الإسلامية" إلي نجع حمادي بقنا حيث قاموا بقتل ستة من كبار تجار الذهب الأقباط وسرقة محتويات محلاتهم -وهي المحتويات التي تم تمويل حادث مقتل السادات واغتيالات أسيوط التالية له بها- ووفق الرؤية الأمنية صاحبة الحق في التعامل مع هذا الملف.. تم تعذيب عدد من المسجلين خطر سرقات للاعتراف بارتكاب الجريمة، ثم تم وضعهم في المعتقلات وأغلق الملف كالعادة، إلى أن تم اكتشاف اللعبة عقب اغتيال السادات وأثناء التحقيق مع المتهمين، الغريب أن الضابط المسئول عن هذه القضية ظل يترقي في سلم الوظيفة حتى رتبة اللواء وهو داخل جهاز مباحث أمن الدولة.

التسعينيات: حوادث القتل علي الهوية واقتحام الكنائس: لم يختلف الأمر كثيرًا في تسعينيات القرن الماضي عندما ارتفعت موجة العنف لتطال الجميع واتخذت الجماعة الإسلامية المصرية المسلحة.. الأقباط رهينة لإجبار النظام على الرضوخ لطلباتهم، وبعيدًا عن الاضطهاد الذي رأيناه بأم أعيننا للأقباط في حقبتي الثمانينيات والتسعينيات في المنيا وأسيوط وسوهاج وقنا، والذي وصل إلى حد تطبيق الحدود عليهم في مسجد الرحمن بأرض المولد بالمنيا على مرأى ومسمع من أجهزة الأمن، وكذا تعليق الرءوس علي أعمدة الإنارة بعد عمليات القتل، كما حدث بين عامي 1992 و1994 في أبوقرقاص بالمنيا، فإن الاعتداءات على الأقباط بلغت ذروة لم تبلغها من قبل في تلك المرحلة التي شهدت مقتل أكثر من مائة قبطي في حوادث متفرقة، وظل الأمن كعادته يصف هذه الحوادث المنظمة بأنها حوادث فردية يقوم بها بعض الموتورين غير صحيحي العقيدة، ووصل الأمر بمدير أمن أسيوط "اللواء مجدي البسيوني" إلى أن وصف مذبحة عزبة الأقباط بأسيوط في فبراير عام 1996 -والتي راح ضحيتها ثمانية من الأقباط- بحادث عشوائي، واكتفي النظام بحفلات التقبيل بين الشيوخ والقساوسة عقب كل حادثة، خاصة عندما تكون عنيفة كحادثة اقتحام كنيسة مارجرجس بأبي قرقاص في فبراير عام 1997 وإطلاق النار على المصلين من الخلف، وهي الحادثة التي خلفت ثلاثة عشر قتيلاً. وانتهي الأمر باحتفال واسع ضم مشايخ وقساوسة من الجانبين وحضره محافظ المنيا آنذاك "اللواء عبدالحميد بدوي"، وألقيت عدة كلمات من الشيوخ والآباء والكهنة عبرت عن مكنون الود بين الأقباط والمسلمين.

أبوقرقاص وصنبو والعجب العجاب: كنت قبلها بسنوات قد غطيت أحداث أبوقرقاص عام 1990 التي تم خلالها حرق مبان وسيارات مملوكة للأقباط في المدينة تحت دعوى قيام مجموعة من الشباب القبطي بتحريض فتيات مسلمات على القيام بأفعال فاضحة -وهي الدعوى التي تطورت بعد عشر سنوات لتصبح على أيدي كتاب كبار إجبارهم على التنصير- كان أصحاب تلك الدعوى في ذلك الزمن البعيد هم قادة الجماعة الإسلامية بالمنيا، وعندما فضحنا التقصير الأمني آنذاك رد مدير أمن المنيا إبان الأحداث "اللواء ماهر حسن" في رسالة نشرتها الأهالي في حينها متهمًا اللواء عبدالحليم موسي بأنه السبب وراء تلك الأحداث، وفجر الرجل مفاجأة عندما أكد -في الرسالة التي بعث بها لـ "الأهالي"- أن الوزير رفض القبض على الشباب الذين طلبت النيابة التحفظ عليهم حتي أدوا ما عليهم من مهام وأحرقوا البلدة، وأضاف أن الوزير طلب منه أن ينفذ قرار النقل تلبية لرغبة جهات سياسية عليا علي أن يتم تعويضه فيما بعد باعتباره كبش فداء، ولم يقف الأمر عند هذا الحد في التعامل الأمني مع تلك الظاهرة الخطيرة، فعندما ذهبنا إلى صنبو لتغطية المذبحة التي راح ضحيتها أربعة عشر قبطيًا، فوجئنا بالأمن يقوم بحماية هؤلاء الناس ويحول إليهم شكاوى المواطنين وحصلنا في ذلك الحين علي شكوى لمواطن وقّع عليها رئيس مباحث ديروط بالقول: الشيخ عرفة للتصرف، وعرفة هذا كان أميرًا للجماعة الإسلامية التي أشعلت الأحداث بصنبو. كان اللواء عبدالحليم موسي وزير الداخلية يحلو له وصف الأحداث على أنها صراع عائلي بين عائلتين لا علاقة له بالتطرف أو الطائفية، وقد شن وقتها هجومًا شخصيًا علينا متهمًا إيانا بإثارة الفتنة لأننا نطلق على ذلك الحادث البسيط لفظ المذبحة.

دير المحرق ودميانة وعزبة الأقباط وعزبة داود والتمساحية: كل هذه الأسماء السابق الإشارة إليها قرى وأديرة شهدت مذابح بشعة ضد الأقباط بين عامي 1994 و1997 راح ضحيتها العشرات، وظلت الدولة تتعامل مع المسألة بنفس الأسلوب، لا طائفية في الأحداث، أحداث فردية، لا متهمين يقدمون إلي المحاكم ولا أحكام. مأساة حقيقية أن تضيع هيبة القانون في بلد يباهي الأمم بحضارته التي تعود إلى سبعة آلاف عام، بلد يسمح ببناء الخمارات وكازينوهات القمار، وملاهي الرقص والعربدة لتجار الفشة والكرشة، ويفكر ألف مرة قبل الإقدام علي منح قرار ببناء دار عبادة!، لقد تكشف لي أثناء سنوات متابعتي لهذا الملف، والتي وصلت إلى ما يقرب من العشرين عامًا حتى الآن، أن معظم أسباب الفتنة تأتي من عدم السماح ببناء الكنائس، والبعض الآخر من التراخي في تطبيق القانون علي الجميع واحترام هيبة الدولة، إذ كيف يفهم أن يسمح لقاصر أن تتزوج لمجرد أنها مسيحية أحبت شابًا مسلمًا وتريد الارتباط به؟ وكيف يسمح لقانون في مصر -كما صرح بذلك أحد المحامين في إحدى القنوات الفضائية- بتعيين وصي على تلك القاصر بخلاف أهلها للسماح لها بتغيير الديانة؟ وماذا لو تم هذا مع فتاة مسلمة؟ إنها مشكلة تطبيق قانون وإعماله علي رقاب الجميع دون اعتبارات سياسية أو دينية.

بناء الكنائس والتحولات الجوهرية: في العديسات بالأقصر والعياط بالجيزة ومنقطين بسمالوط ومدن أخرى عديدة في ربوع مصر المحروسة راح مسلمون عاديون يحرقون كنائس يتعبد فيها الأقباط لسنوات، لا لشيء إلا لورود شائعة بأن الأقباط في طريقهم إلي ترميمها أو بناء جدرانها التي تهدمت دون إذن أو تصريح من الدولة، والسؤال هنا كيف تحول هؤلاء البسطاء من المسلمين إلى متطرفين؟ إن هذه الأفعال كانت -ولحقب عديدة- مقصورة على فئة من الإرهابيين لهم مطالب سياسية معينة.. فماذا حدث؟ الغريب أنه لا يوجد أحد يطرح هذا السؤال ولا يوجد من يسعي بجدية للإجابة عنه، وبعيدًا عن السؤال الذي طرحناه فإننا نري الحل أبسط من أن يظل دهرًا كاملاً حتى يتم تطبيقه واللجوء إليه، وهو ليس بسيطًا وفقط وإنما أيضًا في متناول سلطات الدولة التي تملك الحق وحدها في السماح ببناء وترميم الكنائس وحماية المتعبدين بها، ولكن يبدو لي أن البعض يريد وضع هذا الملف -دائمًا- على سطح صفيح ساخن للمناورة به حينا وللضغط به حينا آخر وللتلويح به في أحايين كثيرة، ولكن ما لا يدركه هؤلاء أو ربما يدركونه ويفعلون ما يفعلون عن عمد، أن هذا الملف لا يجب أن يدخل حلبة الاحتراب السياسي مهما كانت الأسباب والدوافع، وإنما يجب وضعه في قلب اهتمامات الدولة بشكل عام، ورئيسها بشكل خاص باعتباره أخطر وأهم ملف في مصر. الأقباط مطالبهم محددة وواضحة، وقد كشفت عنها جميع الأحداث والمشكلات التي مرت بالبلاد طوال العقود الثلاثة الماضية: إيجاد حل سهل ومريح لبناء دور العبادة الخاصة بهم، والبحث عن حلول عملية لمشكلة تمثيلهم السياسي، وإزالة الاحتقان الطائفي بإيجاد قانون ينص على احترام المعتقدات وتحريم إثارة الفتنة والتحريض عليها.

هذه الإجراءات الثلاثة البسيطة كفيلة بإزالة الاحتقان الحالي ووضع حد لحوادث العنف المتكرر ضد الأقباط. أما على المدى البعيد فمطلوب وضع تصور لقانون موحد لدور العبادة، مسلمة كانت أم مسيحية، والعمل بالقائمة النسبية في الانتخابات البرلمانية لإتاحة الفرصة للأقباط لدخول البرلمان والمساهمة في بناء وطنهم، هذا بالإضافة إلى إنشاء مجلس أعلى للوحدة الوطنية يضم حكماء من المجتمع المدني من الجانبين، يكون له حق التدخل السريع واقتراح إجراءات محددة لعلاج الظواهر المسببة للاحتقان الطائفي، وبهذا نكون قد عبرنا بمصر إلى بر الأمان. أما الحديث عن مجانين ومسجلين خطر مطلوقين في الشوارع لا هم لهم إلا الاعتداء على الأقباط في دور عبادتهم فهذا غير مقبول، لا عقلاً ولا خلقًا.

هناك تعليق واحد:

  1. نطالب الدولة مع المستنيرين فى هذا البلد أن يضعوا يدهم على الأسباب الحقيقية لهذه الفتنة الطائفية ووضع برنامج عملى وواقعى لحلها لأنها لن تحل بمثل هذا الاستخفاف والتهوين وموائد الوحدة الوطنية وتبويس اللحى بين البابا شنودة وشيخ الأزهر

    ردحذف