الشعب المصري الآن لا نستطيع أن نقول إنه شعب يعاني من الجوع والبطالة لأنه تخطى هذا الأمر، والتصنيف الأقرب للواقع أن الشعب المصري أصبح أمواتًا يمشون على الأرض باستثناء الـ1% المعروفين. ولكي لا يتهمني أحد بالمبالغة بأن 99% من المصريين أموات تمشي على الأرض، ماشي يا سيدي بلاش 99 خليها 90%، برغم أنهم أكثر بكثير ولكن هنمشيها 90%. 90% من المصريين أموات يشبهون الأحياء، يعني نقدر نقول إن 90% من المصريين الآن في حالة احتضار الموت، ولكنها طويلة شوية.
المواطن المصري الآن أصبح عنده لا يكترث لأي شيء، ولم يعد هناك أخ ولا صديق ولا ابن ولا أب ولا أم، كل شيء تفتت. حتى الفرد الواحد أصبح مفتت الذهن وكاره نفسه، ولم يعد له غير أمنية واحدة وهي (رصاصة الرحمة)، يعني من الآخر يتمنى أن ينتهي من مرحلة الميت الذي يمشي على الأرض إلى مرحلة الميت الذي يرقد في القبر. ولقد حققت مصر في الأعوام الأخيرة أرقامًا قياسية في نسب حالات الانتحار من الذكور والإناث، وعلى كل الأعمار: أطفال + مراهقين + شباب قبل منتصف العمر + شباب بعد منتصف العمر + شيوخ مسنين تخطوا السبعين عامًا. ليس هناك استثناء، كل من يمتلك شجاعة الانتحار لم يتردد لحظة، والذي لم ينتحر يفكر في الانتحار أو يفعل أشياء تعجل بموته مثل الإفراط في أدوية مضادات الاكتئاب أو شرب سجاير بشراهة. وفي المقابل هناك أشخاص تتحقق أمنيتهم سريعًا ويموتون دون انتحار أو تناول سجاير أو حبوب، وهؤلاء الذين لا يمتلكون أصلًا ثمن علبة السجاير أو الأدوية المهدئة.
ولكني عندي سؤال بسيط: هل يوجد شيء بلا سبب؟ بالطبع لا، كل شيء له سبب، وإذا عُرف السبب بطل العجب، بس المشكلة إنك تقدر تعرف السبب. يعني لو شخص بيعاني من مرض، أول شيء بيكشف ويعرف هو عنده إيه، ثم يتناول العلاج الصحيح. والمرض الذي يعيشه المصريون الآن لم يبدأ الآن، ولكنه بدأ عندما قام الرئيس السابق جمال عبد الناصر بصدور بطاقة مكتوب بها خانة الديانة، وهنا بدأ المرض يتفشى. ولكن المصيبة العظمى بدأت بدستور 71 الذي صنعه السادات، ووضع في المادة الثانية منه كالتالي (الإسلام مصدر من مصادر التشريع)، ثم يأتي في عام 1980 بعدما صنف نفسه بالرئيس المؤمن وقام بتعديل المادة الثانية وإضافة ألف ولام بجانب كلمة مصدر، وتصبح المادة الثانية في الدستور تقول كالتالي (الإسلام هو المصدر الرئيسي للتشريع). ومنذ هذه اللحظة ولم تتغير هذه المادة، بل إنهم يضيفون عليها مواد مساعدة.
يُولد المواطن المصري بشهادة ميلاد مكتوب فيها أنه مسلم قهرًا. لا يُنتظر حتى يكبر ليقرر دينه، ولا يُخير أبواه، بل يتم تسجيله مسلمًا ما دام أبوه مذكورًا في بطاقته أنه مسلم. وعندما تكبر وتبدأ في التفكير الحر، تجد نفسك محاصرًا بدين لم تختره، وممنوعًا من تغييره، ومحاسبًا إذا عبّرت عن رفضك له.
فهل هذا دين أم سجن؟ بالطبع سجن. وشهادة ميلادك هي وثيقة اعتقال ديني.
منذ لحظة ميلادك في مصر، تُدوَّن ديانتك في شهادة الميلاد تلقائيًا، دون أي اعتبار لمستقبلك أو وعيك أو حقك في اختيار ما تؤمن به. هذه الديانة مرتبطة بدين الأب فقط، أما الأم فلا يُعتد بها.
فإن كان أبوك مسلمًا، فأنت مسلم رغمًا عنك، حتى لو أعلنت ألف مرة أنك غير مسلم، تظل الدولة تناديك: "يا مسلم، يا مسلم، يا مسلم"، وتُلزمك بأحكام الإسلام في الزواج والمواريث والمعاملات، وتمنعك من الخروج من هذا القيد الوراثي. وحين يحاول شاب مصري، بشكل قانوني، الاعتراض على تسجيله مسلمًا في بطاقته وشهادة ميلاده، ويطلب تغيير هذه الخانة أو إزالتها، يصطدم بجدار من الرفض القانوني، ويجد نفسه ملاحقًا بقضايا لا تنتهي، ويتم القبض عليه بتهمة ازدراء الأديان، وهي جريمة جاهزة ومعلبة لكل من يعلن خروجه من الإسلام. يبدأ الأمر باختفائه قسريًا، ثم يظهر بعد فترة غير محددة، ليُسجن بعد ذلك مدة تتراوح بين سنة وخمس سنوات.
القانون المصري لا يعترف بالخروج من الإسلام مهما فعل المواطن المصري. الشيء الوحيد المسموح به هو أن يدخل المسيحي في الإسلام، يعني المسيحي المصري الذي يرغب في تغيير دينه ليس أمامه إلا الإسلام؛ فلا يستطيع أن يكون ملحدًا، أو بهائيًا، أو بوذيًا، أو غير ذلك. هذا هو الشيء الوحيد المسموح به في مصر وبالتالي، أنت لا تملك أن تخرج من زنزانة الإسلام.
المادة الثانية من الدستور المصري مكتوب فيها صراحة أن الإسلام هو المصدر الرئيسي للتشريع. فهل يعقل وضع هذا الكلام في دستور دولة؟ وهل يعقل أن تنفق الدولة عشرات المليارات على مؤسسات دينية مثل الأزهر والأوقاف، بينما يعيش الشعب المصري حالة فقر ومجاعة غير مسبوقة في التاريخ؟
والسبب واضح؛ فهذه المؤسسات ممولة لتقول للناس: أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر، والصبر على الظلم، مع وعد مؤجل بالعدالة في الآخرة.
الدولة، منذ زمن طويل، لا ترى الدين مسألة فردية، بل أداة لضبط الناس وترسيخ الحكم الدكتاتوري. باختصار، الدولة تقول للمواطن المصري صراحة: أيها المواطن المصري ستكون مسلمًا في الأوراق غصبًا عنك، حتى لو كنت ملحدًا في قلبك، المهم أن تصمت ولا تعلن ذلك وتظل منتميًا إلى الكتلة الصامتة داخل الإحصائيات الرسمية المرتبطة بالسجل المدني.
في النهاية، يُولد المواطن المصري مسلمًا بالإكراه، وإن اعترض، حتى لو بمنشور على صفحته الخاصة على فيسبوك، سيتم إخفاؤه قسريًا لفترة غير معلومة، ثم يتم سجنه بتهمة ازدراء الأديان، وهذه تهمة معلبة لكل من يبدي رغبته في الخروج من الإسلام، ويُجرَّد من كامل حقوقه. وفي حالة لو كان متزوجًا، يتم فصله عن زوجته بالإكراه ودون أي اعتبار لرأي الزوجة، ولا يحق له الزواج من امرأة أخرى، ولا يرث، ولا يعمل، وبعد كل هذا سيظل مذكورًا في بطاقته وشهادة ميلاده أنه مسلم.
الدولة التي تفرض الدين على الناس قبل أن يختاروه، وتحظر عليهم تركه، لا تدافع عن الدين، بل تسيء إليه، وتفرغه من روحه، وتحوله إلى مسار سخرية.
وأحقر ما في الأمر هو خطاب الدولة للمواطنين، إذ تقول لهم إن من يريد ترك الإسلام واعتناق دين آخر فليفعل ذلك داخل بيته فقط. وهذا أمر غريب ومثير للدهشة ويستحيل فهمه؛ كيف يُطلب من الإنسان أن يغيّر معتقده في الخفاء، دون أن يُعلن عنه، وفي الوقت نفسه يُكتب في أوراقه الرسمية على أنه مسلم رغم أنه لا يؤمن بذلك؟
وأي منطق يقبل أن تُسجَّل ديانة شخص في بطاقته على غير ما يعتقده فعلاً؟
ويأتي الأزهر ليبرر ذلك بأنه حماية للدولة ومنع الفتنة، وأن حرية تغيير الدين قد تسبب اضطرابًا في المجتمع المصري. لكن هذا الكلام يثير سؤالًا بسيطًا: هل الدول المدنية الموجودة في عالمنا الآن التي تسمح بحرية الأديان بشكل مطلق تعيش في فوضى وفتن، بينما تتمتع مصر بالاستقرار؟ أرجو من الأزهر أن يجيب على هذا السؤال.
الواقع أن هناك عددًا كبيرًا جدًا من الدول التي تقوم على مبدأ حرية الأديان بشكل كامل، حيث لا تُفرض ديانة بعينها على المواطن في الأوراق الرسمية أو في التشريع، بل يُترك له حق الاختيار والاعتقاد والتغيير دون تدخل من الدولة. ومن ضمن هذه الدول السويد والدنمارك وفرنسا واليابان وكندا وبلجيكا وإيطاليا وأستراليا، والقائمة تطول، وهذه الدول تُصنَّف اليوم ضمن الأكثر استقرارًا وتقدمًا وارتفاعًا في مؤشرات السعادة وجودة الحياة، رغم أنها لا تتبنى دينًا رسميًا ولا تُلزم مواطنيها بهوية دينية محددة.
في المقابل، نجد أن مصر، التي تُقيد حرية الأديان وتُقر في دستورها أن الإسلام هو المصدر الرئيسي للتشريع، تعاني من الجوع والفقر وانهيار كامل في الخدمات، ولا يوجد بها صحة أو تعليم، إضافة إلى ملايين المشردين في الشوارع الذين يأكلون من صناديق القمامة، مع فساد جميع المؤسسات وعلى رأسها الجيش والشرطة والقضاء وسرقة المال العام على الملأ. إضافة إلى فتن طائفية وتفجير كنائس وخطف بنات مسيحيات وإجبارهن على الأسلمة والزواج من رجال مسلمين بالإجبار، فعلى أي استقرار تتحدث أيها الأزهر؟
وهنا يعود السؤال نفسه بشكل مباشر: إذا كانت الدول التي تضمن حرية الأديان بشكل كامل تحقق استقرارًا وتقدمًا ورفاهية بهذا الشكل، فكيف يدّعي الأزهر أن حرية الأديان تؤدي إلى الفوضى والفتن؟المنظومة الدينية التى تحكم مصر صُممت لتسهيل السيطرة. حين تُعرّف الدولة الناس دينيًا، يصبح من السهل توجيههم، تقسيمهم، وإشغالهم بصراعات جانبية بدل محاسبة السلطة على الفقر والجوع. النظام لا يريد مجتمعًا متنوعًا مفتوحًا، بل يفضل إطارًا محدودًا (مسلم/مسيحي) يمكن التحكم فيه وإثارة التوتر بين أطرافه عند الحاجة، فتتحول الأنظار من الأزمات الحقيقية إلى صراعات هوية.
المادة الثانية وقوانين الأحوال الشخصية الدينية تُبقي المواطن داخل هذا القالب: خطاب يطالب بالصبر، وقوانين تُقسّم الناس، ونتيجة ذلك مجتمع مُنهك ومُشتت—وهو ما يخدم بقاء الوضع كما هو.
بإلغاء المادة الثانية من الدستور المصري تتغير المعادلة بشكل واضح ومباشر:
سيوفر ذلك عشرات المليارات التي تُنفق على المؤسسات الدينية، ويمكن توجيهها للصحة والتعليم والاقتصاد.
وسيؤدي إلى إلغاء المواد المرتبطة بالمرجعية الدينية في التشريع، ومعها إلغاء خانة الديانة من شهادة الميلاد والبطاقة. وأهم نقطة هنا على الإطلاق هي شهادة الميلاد؛ لأنها أول ورقة تُقيِّد الإنسان منذ لحظة ولادته. عندما تُلغى خانة الديانة من شهادة الميلاد تحديدًا، لن يُسجَّل الطفل على دين معين قهرًا من البداية، ولن يبدأ حياته مُصنَّفًا ومُقيَّدًا قبل أن يفهم أو يختار.
وباختفاء هذا القيد من الأصل، لن تستطيع الدولة بعد ذلك تتبع ديانة المواطن أو استخدام هذا التصنيف في التعامل معه. لن يكون هناك أساس أصلًا لمعرفة من هو المسلم ومن هو المسيحي ومن هو غير ذلك، ولن تستطيع السلطة اللعب على هذا الوتر أو إشعال فتن طائفية؛ لأن التصنيف نفسه لم يعد موجودًا من الجذور. وقتها لن يكون لأسماء المواطنين أي دلالة دينية ثابتة، فلا يُعامل شخص اسمه “محمد” على أنه مسلم، ولا يُعامل شخص اسمه “جرجس” على أنه مسيحي؛ فقد يكون “محمد” مسيحيًا، و“جرجس” مسلمًا، أو قد يكون الاثنان لا دينيين أو معتنقين لأي معتقد آخر لا علاقة له بالإسلام أو المسيحية أو اليهودية. وبذلك تصبح الأسماء مجرد ألفاظ تعريفية لا أكثر، ويُعامل الجميع كمواطنين فقط دون أي تصنيف مسبق.
إلغاء المادة الثانية من الدستور المصري لا يقتصر على كونه تغييرًا قانونيًا أو دستوريًا، بل هو تحول في فلسفة الدولة بالكامل، وتصبح مصلحة المواطن هي من تقر وتشكل القوانين ويصبح القانون هو الأساس الوحيد في الحقوق والواجبات.
وعند فصل الدين عن المجال السياسي، تصبح إدارة الدولة مباشرة، لأن القرارات لا يتم تبريرها بخطاب ديني، بل تخضع للمحاسبة القانونية والرقابة وهذا يقلل مساحات التغطية والتبرير، ويجعل الفساد صعبًا جدًا لأن المرجع الوحيد هو القانون وهو الأداء الفعلي.
كما أن خروج الدين من المجال العام السياسي والقانوني يمحو تمامًا الخطابات التي تصرف الناس عن واقعهم اليومي، فيصبح التركيز على العمل والدخل والخدمات ومصلحة المواطن. وقتها لن يكون هناك خطيب جمعة يوعد الناس بقصر في الجنة بعد الموت.
ومع وضوح المحاسبة وتقليل المسافة بين المواطن والمؤسسات، يصبح الضغط الشعبي والرقابي أكثر تأثيرًا، وتصبح السلطة مجبرة على تحسين الأداء بشكل عملي في الاقتصاد والخدمات.
والنتيجة المباشرة لذلك تكون حتمًا تحسنًا في فرص العمل والدخل، مما يجعل الزواج وتكوين الأسرة والسكن أمورًا بسيطة جدًا.
في النهاية، الفكرة ببساطة أن تقليل دور الدين في السياسة يعني دولة واضحة، ومحاسبة مباشرة، ونتائج اقتصادية وخدمية تنعكس مباشرة على حياة المواطن اليومية.
الخلاصة: فصل الدين عن الدولة لا يعني محاربة الدين أو إلغاؤه، بل فصله عن الدستور والقوانين وإنهاء استخدامه كأداة للسيطرة، وتحويل المجتمع من حالة الوهم والانقسام إلى سعي نحو حياة كريمة....تحياتى ومودتى للجميع.......هلال السعيد

